قبل أن تسمع حكاية قبل النوم...

هذه الإدراجات قصص و حكايات و ليست نبذا من سير ذاتية أو غيرية، و إذا انتبه القارئ الكريم إلى هذا التجنيس، فلن أجد نفسي في حاجة إلى التنبيه على أنها من نسج الخيال، و أن أي تشابــه في الأحـــداث و الوقائع، أو الأوصاف و الأسماء و الشخصيات هو اتفاق محض، و مصادفة خالصة، ليس غير.

الأربعاء، 30 مارس 2011

قائد ... و خطة ... و معركة.

قيل لسمير : إن الأساتذة المجازين سيخرجون في إضراب مفتوح بعد يومين، و سيكون باب الرواح معتصمهم حتى تحقيق مطالبهم. و سمير طبعا واحد من حملة الإجازة، و من قدماء المناضلين في بلدتنا السعيدة... فكر لحظات قبل أن يبدي في الموضوع رأيا..

و الحقيقة انه ظل مستغرقا ، في التفكير ، غارقا في مقعده بالمقهى الشعبي، و هو المقهى الوحيد بالبلدة.. ظل يقلب القضية في رأسه على كل وجوهها. كان لا بد أن يعلن لزملائه موقفه في هذه الجلسة، لأن الرحلة المقدسة إلى الرباط من المقرر أن تتم صباح الغد، و ما زال أمام الرفاق إتمام تدابير الرحلة الليلة قبل أن يفترقوا. و لقد فهم سمير من خلال حديث الرفاق أنهم ما جاؤوا إلا لإخباره، فموضوع الرفض غير وارد عندهم  و لا منتظر. كيف يتوقعون رفضه  و هو  القائد هنا ، القائد الذي يرجع إليه الجميع للاستشارة، في كل ما يعن لهم من القضايا القانونية و النقابية.

كان بود سمير ـــ لو أنه خلي إلى نفسه، و لو أنه كان يملك وجها قصديريا لا يعرف الحياء ـــ أن يعتــذر و يعفي نفســه من المشاكــل. فهو حاصل على السلم العاشر، و لا رغبة لـه في تغييــر الإطـار، و مطلب خارج السلــم  لم يرتق إليه طموحه يومـــا ، و على كل حال، سيان عنده أن يكون داخل السلــم  أو خارجه، المهم عنده ألا يخرج من رحمة الحكومة.

أما أحاديث النظام ، و الدستور، و إقالة الوزير اخشيشن و عكازته لطيفة ، أو سواها  مما أضحت العقائر ترتفع بذكره، فلا يدخل ضمن دائرة اهتمامه، لسبب بسيط جدا ، فهو لا يعرف ما دخل كل ذلك في الموضوع...

ليس له إذن ما يدفعه إلى أن يتجشم عناء الرحلة،  فيضطره إلى أن يستفيق  في الصباح قبل الديكــة، و يخرج تحت البرد، و الظلام، و عيون الداخلية، و يقطع مســافة تعيا عن قطعها  السيــــارة  و القطار، ليبدأ في الرباط وقفة لا جلوس بعدها،  لمدة الله بها عليم، طبعا مع ما يترتب عن ذلك من فراق لعروسه الجديدة، و فراشها الدافئ الوثير...

و لكن هو الحياء ... لا حياه الله. ما الذي يقوله لزملائه، و كيف يرفض، و ما التعلات التي سيعتذر بها ؟ و كيف سيظل ذلك الرجل المحترم، و القائد المطـــاع إذا هو وقف موقفـــا تشتم فيه رائحة الجبن أو الخيانة؟؟

كل تلك أسئلة كانت تطوف برأسه، و هو جالس على ذلك المقعد الخشبي في المقهى الشعبي، يدير بين أنامله كأس الشاي الذي أصبح باردا... ككل شيء في عينيه.

و لم يفق من شروده إلا على صوت عبد الجبار يسأله عن برنامج الرحلة و الاستعدادات اللازم اتخاذها.

و وجد نفسه ، و ربما دون أن يشعر، يلبس رداء القائد كالعادة، فلفت الجلوس إلى التفاصيل الدقيقة التي يجب الاعتناء بها، لتسير الرحلة على النحو الأمثل: عليهم أولا التنسيق مع عباس سائق سيارة الأجرة لكي يقلهم إلى وجدة، و من ثم يركبون القطار باتجاه الغرب، و عليهم تدبير أمر المال، فبينهم و بين الرواتب ، أزيد من أسبوعين، كما نبههم إلى ضرورة ارتداء ملابس ثقيلة ، و أخذ ما يكفي من فرش و أغطية، و عليهم ألا ينسوا  اللافتات و الشعارات ...

تدخل علي: ليس أمامنا وقت لتحضير اللافتات.

قال سمير : سنأخذ اللافتات التي رفعناها في الوقفات السابقة فهي بعد صالحة، إنها تحمل مطالب مزمنة و شعارات عامة، و أظنها تفي بالغرض... و إياكم ان تذكروا شعارا غير الشعارات التي اعتدنا رفعها...الموقف هذه المرة حساس.

في الصباح، كان الرفاق ، يخترقون الأزقة الضيقة باتجاه المحطة، حيث كان سائق الأجرة بانتظارهم، و ضعوا في حقيبة السيارة ما استطاعت استيعابه من أمتعة، و الباقي اضطروا إلى أن يفسحوا له مجالا بجوارهم  و على ركبهم. و كان منظر سمير يبعث على الضحك ، فقد كان جسمه الصغير مختفيا خلف الرزم الموضوعة في حجره، معصورا كالبرتقالة بين علي و عبد الجبار، و كلاهما كان في جسمه بسطة، و في منكبيه اتساع...

كانت السيارة قد اجتازت مرصد رجال الدرك بأزيد من كيلومتر، حين قــال السائق ، و هو ينظر إلى ناصر الذي يجلس إلى جواره ساهما أو كالساهم :

ـــ أليس تهورا منكم خوض هذه الخطوة دون غطاء نقابي؟؟

ـــ أكيد أنها خطوة محفوفة بالمخاطر، لكن " مكره أخاك لا بطل ".

ـــ تعني أن النقابات ...

قاطعه ناصر : أجل ذاك ما أعنيه تماما، قضايانا بالنسبة إليهم مباراة كرة قد بيعت منذ أمد بعيد ... و هم الآن يكملون المباراة الخاسرة لا لشيء إلا لتأثيث المشهد الكروي.

ـــ ليس الوضع بكل هذا السوء، إن هي إلا نظرة سوداوية منك.

ـــ بل الوضع أسوأ ، و مازال يزداد تدهورا و سوءا... و أضاف بعد صمت قصير :

ـــ هل سمعت بالذي وقع أمس؟

ـــ في معتصم الدكاترة ؟ أجل، لقد كان مؤسفا.

و جاء صوت علي من خلفهما ، ثقيلا يغالب النعاس :

ـــ مؤسفا فقط  ؟  لقد كان تصرفا من عصور الظلام، متى سنصبح أمة متحضرة؟؟

رد عبد الجبار :

ـــ  ليس قريبا ، فيما يبدو... كنت أظن أننا فتحنا صفحة جديدة، و أن الديمقراطية قد وجدت في سماء المغرب أخيرا متسعا لترفرف فيه بحرية، لكن ما وقع أمس أثبت أنني كنت مخطئا، و أن ...

قاطعه سمير  بنبرة استفهام، و بصوت آت من وراء الرزم الثقيلة بحجره:

ـــ ما هذا الذي وقع ؟؟ يبدو أنني الوحيد الذي لا يعرف.

ـــ ألم تسمع بأن الشرطة تدخلت بعصيها لتفرق الدكاترة المعتصمين؟؟

انفجر سمير يتساءل في استغراب، و في نفس واحد:

ـــ ماذا !! متى ...؟؟  كيف ...؟؟ ماذا تقول ؟؟ هل أنت متأكد ؟؟

و نظــر إلى السائــق و أمره ، بصوت يكاد يكون صارخا، أن يتوقف، فانصاع هــذا على الفور، و قد قدر أن الأمر  يستدعي ذلك.

و بعــد أن ارتكـنت السيارة إلى أقصى اليميــن، أشـــار سمير إلى علي بــأن يفســح لــه الطريق، و حين أصبح خارج السيارة قال ، كأنه يخاطب نفسه :

ـــ ماذا !! ضربوا الدكاترة ؟!!

و كانت الرزمة الكبيرة ما تزال في حضنه، مدها إلى علي ، و هو يقول :

ـــ أمسك ستحتاجها ... 

و دون ان يقول شيئا ،  ترك السيارة في موقفها، و الزملاء في حيرتهم ، و عاد من حيث أتى.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق